المهندس وليد مرسي: أنسنة العمارة لم تعد رفاهية… بل مفتاح جودة الحياة في المدن الحديثة
أكد المهندس وليد مرسي، عضو لجنة الاستشارات الهندسية بجمعية رجال الأعمال المصريين، ومؤسس والمدير التنفيذي لمكتب DCI Plus Architects Consultants، أن مفهوم “أنسنة العمارة” لم يعد خيارًا تجميليًا أو رفاهية تصميمية، بل أصبح ضرورة ملحة لخلق مجتمعات عمرانية قادرة على تحقيق جودة الحياة.

وأوضح مرسي أن دور العمارة الحديثة شهد تحولًا جذريًا خلال السنوات الأخيرة، حيث لم يعد يقتصر على تشكيل الكتل البنائية أو تحقيق العوائد الاستثمارية، بل امتد ليصبح أداة استراتيجية لصناعة بيئة معيشية متكاملة تراعي الإنسان نفسيًا واجتماعيًا قبل أي اعتبارات أخرى.

وأشار إلى أن التجارب العمرانية الحديثة، خاصة في سلطنة عمان، أثبتت أن المجتمعات الأكثر نجاحًا هي تلك التي تعتمد على فهم عميق للعلاقة بين الإنسان والبيئة، وتتبنى تصميمات تنطلق من احتياجات المستخدم الحقيقية، وليس فقط من الرؤية المعمارية المجردة.

وأضاف أن هذا التوجه يستند إلى مبادئ علمية قريبة من Maslow’s Hierarchy of Needs، حيث يبدأ التصميم بتلبية الاحتياجات الأساسية مثل الأمان، وسهولة الحركة، وتوافر الخدمات، ثم يرتقي تدريجيًا لتحقيق مستويات أعلى تشمل الانتماء، والراحة النفسية، والإحساس بالسكينة.
ولفت مرسي إلى أن تطبيق مفهوم “أنسنة العمارة” يعتمد على مجموعة من الركائز الأساسية، أبرزها:
التفاعل مع البيئة: من خلال دراسة المناخ واتجاهات الرياح وحركة الشمس، واستخدام العناصر الطبيعية مثل المساحات الخضراء والمسطحات المائية لتقليل الإجهاد الحراري والبصري.
تخطيط إنساني للمجتمع: عبر توزيع الكتل والخدمات بشكل يحقق سهولة الوصول ويعزز التواصل الاجتماعي دون المساس بالخصوصية.
تدرج الخصوصية: بدءًا من المساحات العامة مرورًا بشبه العامة وصولًا إلى الخاصة، بما يدعم الشعور بالأمان والانتماء.
تكامل الخدمات: توفير احتياجات الحياة اليومية داخل المشروع لتقليل الضغوط وتعزيز الراحة الذهنية للسكان.
الهندسة القيمية: تحقيق أعلى جودة ممكنة بأفضل تكلفة، دون الإخلال بتجربة المستخدم.
الهوية البصرية… بعدٌ مكمل لأنسنة العمارة
وفي هذا السياق، شدد المهندس وليد مرسي على أن أنسنة العمارة في المدن الجديدة لا تكتمل دون صياغة هوية بصرية متكاملة تعكس الطبيعة المعمارية لكل مشروع، وتمنحه طابعًا مميزًا يسهل إدراكه والتفاعل معه.
وأوضح أن الهوية البصرية لا تقتصر على الألوان أو الواجهات، بل تشمل تناغم الكتل، واختيار الخامات، وتناسق الفراغات، وصولًا إلى تصميم المشهد العام (Urban Image) بشكل يعزز الإحساس بالانتماء.
وأضاف أن وجود هوية بصرية واضحة ومتسقة يساهم في خلق ذاكرة مكانية لدى السكان، ويجعل المدينة أكثر قابلية للتميّز والاستدامة، خاصة في ظل التوسع الكبير في المدن الجديدة داخل مصر.
كما أشار إلى أن ربط هذه الهوية بطبيعة الموقع—سواء كانت صحراوية أو ساحلية أو حضرية—يعزز من تكامل المشروع مع بيئته، ويمنح المستخدم تجربة معيشية أكثر عمقًا وارتباطًا بالمكان، وهو ما يمثل أحد أهم ركائز العمارة الإنسانية الحديثة.
وأوضح مرسي أنه رغم اختلاف السياقات بين سلطنة عمان ومصر، فإن هذه الفلسفة تم تطبيقها بنجاح في عدد من المشروعات داخل السوق المصري، من بينها: مشروع شركة Al Dau – السادس من أكتوبر: اعتمد على خلق بيئة سكنية راقية قائمة على الفراغات المفتوحة، والربط البصري بين الكتل والمساحات الخضراء، مع تحقيق توازن دقيق بين الفخامة والراحة النفسية.
مشروع شركة النخيل – الشروق: ركز على بناء مجتمع متكامل يخدم الأسرة، من خلال توزيع ذكي للخدمات والمسارات، بما يوفر بيئة عملية ومريحة تعكس احتياجات المستخدم اليومية.
مشروع شركة AFG – العبور: نجح في توظيف مبادئ الهندسة القيمية لتقديم منتج عمراني عالي الكفاءة، يحقق جودة حياة مناسبة رغم التحديات الاقتصادية، عبر تعظيم القيمة مقابل التكلفة.
وأشار مرسي إلى أن نجاح هذه النماذج لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة خبرة تراكمية لمكتب DCI Plus Architects Consultants، الذي نفذ أكثر من 1200 مشروع في 12 دولة، من خلال فريق عمل متكامل يجمع بين العمارة والتخطيط العمراني وتنسيق المواقع وكافة التخصصات الهندسية.
واختتم تصريحه بالتأكيد على أن الفارق الحقيقي في المشروعات العمرانية لم يعد في “شكل” المبنى، بل في “إحساس” المستخدم داخله، قائلًا: “عندما يشعر الإنسان بالراحة والسكينة والانتماء… نكون قد نجحنا في تحقيق الهدف الأسمى للعمارة












