حسام الشاهد: الإطار التشريعي الجديد يعيد صياغة قواعد صناعة التطوير العقاري ويربط البيع بقدرة المشروع على التنفيذ
قال حسام الشاهد خبير التطوير العقاري إن ملامح مشروع قانون تنظيم نشاط التطوير العقاري وإنشاء «الاتحاد المصري للمطورين العقاريين» تمثل تحولًا مهمًا في طريقة إدارة السوق، ليس فقط من زاوية حماية حقوق العملاء، وإنما باعتبارها محاولة لإعادة بناء العلاقة بين حجم النشاط العقاري والقدرة الحقيقية على التنفيذ والملاءة المالية والانضباط في إدارة المشروعات.
موضحًا أن تنظيم السوق في هذه المرحلة أصبح ضرورة مرتبطة بطبيعة التطورات الكبيرة التي شهدتها صناعة التطوير العقاري خلال السنوات الأخيرة.
وأوضح الشاهد أن أبرز ما يلفت الانتباه في الملامح الأولية للمسودة هو الاتجاه إلى الانتقال من التعامل مع السوق باعتباره مجموعة من الشركات والمشروعات المنفصلة إلى بناء منظومة أكثر وضوحًا لتصنيف المطورين ومتابعة المشروعات وربط التدفقات المالية بمعدلات التنفيذ، مشيرًا إلى أن فكرة تخصيص حساب بنكي مستقل لكل مشروع تعد من أهم الآليات التي يمكن أن تسهم في زيادة وضوح الدورة المالية للمشروع، لأنها تجعل الأموال المحصلة من العملاء مرتبطة بصورة مباشرة بالمشروع الذي تم التعاقد عليه، وتسمح بمتابعة العلاقة بين التدفقات الداخلة ونسب التنفيذ والبرنامج الزمني للمشروع.
وأضاف أن هذا النوع من التنظيم يمكن أن يخلق درجة أكبر من الانضباط داخل السوق، لأن نجاح أي مشروع عقاري لا يرتبط فقط بقدرة الشركة على تحقيق المبيعات، وإنما بقدرتها على إدارة دورة رأس المال وتحويل المبيعات إلى تنفيذ فعلي ومستدام.
لافتًا إلى أن صناعة التطوير العقاري تختلف عن كثير من الأنشطة الاقتصادية الأخرى، باعتبار أن دورة المشروع تمتد لسنوات، وأن العلاقة بين المطور والعميل تبدأ في توقيت يسبق اكتمال المنتج بفترة طويلة، وبالتالي فإن وجود قواعد واضحة لإدارة أموال المشروع ومتابعة نسب التنفيذ يمكن أن يعزز الثقة في السوق على المدى الطويل.
وأشار الشاهد إلى أن ربط آليات الصرف بالبرنامج الزمني ونسب التنفيذ الفعلية، وفقًا لما ورد في المسودة الأولية، يعكس توجهًا نحو جعل التنفيذ عنصرًا أساسيًا في تقييم أداء المشروع، وليس الاكتفاء بحجم المبيعات أو عدد التعاقدات، موضحًا أن السوق يحتاج بالفعل إلى معادلة أكثر توازنًا بين المبيعات والتنفيذ، بحيث تكون قدرة المطور على البيع مدعومة بقدرة حقيقية على استكمال المشروع وفق المستهدفات الزمنية والفنية والمالية.
وأكد أن تصنيف الشركات إلى «مطور عقاري» و«من في حكم المطور العقاري» يمكن أن يمثل خطوة مهمة نحو بناء سوق أكثر وضوحًا، خاصة أن السوق المصري أصبح يضم شرائح مختلفة من الشركات من حيث حجم المشروعات والخبرات وسابقة الأعمال والقدرات التمويلية، مشيرًا إلى أهمية أن يكون التصنيف في صورته النهائية قائمًا على مجموعة متكاملة من المعايير، تشمل حجم النشاط وسابقة الأعمال والقدرة المالية ومعدلات الإنجاز وسجل التسليم، بما يضمن أن يعكس التصنيف حقيقة القدرة التشغيلية للشركة وليس فقط مساحة المشروع أو حجم النشاط وحدهما.
ولفت إلى أن تنظيم الإعلان والتسويق والبيع يمثل جانبًا آخر بالغ الأهمية في المنظومة الجديدة، لأن عملية تسويق المشروع العقاري يجب أن تكون مرتبطة بموقفه الحقيقي من الناحية القانونية والتنفيذية والمالية، مؤكدًا أن ضبط عملية الإعلان لا يعني تقييد النشاط التسويقي، وإنما يستهدف الوصول إلى سوق تكون فيه الرسالة التسويقية متوافقة مع الواقع الفعلي للمشروع، وهو ما يصب في النهاية في مصلحة المطور الجاد والعميل على حد سواء.
وأوضح الشاهد أن المطور الملتزم بالتنفيذ لا يجب أن يُعامل بنفس الصورة التي يُعامل بها أي كيان يدخل السوق دون سابقة أعمال أو دون قدرة واضحة على إدارة دورة المشروع، معتبرًا أن وجود منظومة تصنيف واضحة وشفافة يمكن أن يساعد على خلق فارق موضوعي بين الشركات وفقًا لقدراتها وسجلها، كما يمكن أن يمنح العميل أدوات أفضل لفهم الشركة التي يتعامل معها قبل اتخاذ قرار الشراء.
وأضاف أن إنشاء صندوقين لتأمين المتعاقدين يمثل بدوره محاولة لبناء آلية مؤسسية للتعامل مع المخاطر، خصوصًا في الحالات التي قد تواجه فيها بعض المشروعات صعوبات تؤثر على معدلات التنفيذ.
وأكد الشاهد أن المرحلة المقبلة تتطلب أن يكون الهدف من التنظيم هو تحقيق التوازن بين حماية العميل والحفاظ على قدرة شركات التطوير الجادة على النمو والاستثمار، لأن صناعة التطوير العقاري تمثل أحد المحركات الرئيسية للنشاط الاقتصادي والتشغيل والاستثمار، ومن ثم فإن أي إطار تشريعي فعال يجب أن يحقق الانضباط دون أن يتحول إلى أعباء إجرائية تعطل دورة الاستثمار أو تحد من قدرة الشركات على إطلاق مشروعات جديدة.
وأشار إلى أن قوة أي تشريع لتنظيم التطوير العقاري لن تقاس فقط بعدد المواد أو الإجراءات التي يتضمنها، وإنما بقدرته على خلق بيئة أكثر وضوحًا لجميع أطراف السوق، بداية من المطور والعميل، مرورًا بالجهات التمويلية والاستشاريين وشركات التسويق، وصولًا إلى الجهات التنظيمية، بحيث تصبح لكل طرف مسؤوليات محددة وقواعد واضحة يمكن الرجوع إليها.
وشدد الشاهد على أن السوق العقاري المصري وصل إلى مرحلة أصبح معها التنظيم المؤسسي ضرورة لتطور الصناعة، خصوصًا مع ارتفاع حجم الاستثمارات وتنوع نماذج المشروعات وتوسع قاعدة الشركات والعملاء، موضحًا أن بناء قاعدة بيانات وتصنيف واضح للمطورين، وربط المبيعات بالتنفيذ، وتنظيم التدفقات المالية للمشروعات، ووضع آليات للتعامل مع المخاطر، يمكن أن يسهم في انتقال السوق من مرحلة النمو القائم بدرجة كبيرة على التوسع في المبيعات إلى مرحلة أكثر نضجًا يكون معيارها الأساسي هو القدرة على تحقيق دورة متكاملة تبدأ من التخطيط والتمويل والتسويق وتنتهي بالتنفيذ والتسليم.
واختتم حسام الشاهد بالتأكيد على أن القطاع العقاري لا يحتاج فقط إلى زيادة حجم السوق، وإنما إلى تعميق جودة السوق نفسه، وأن تنظيم العلاقة بين المطور والعميل ووضع معايير واضحة للممارسة يمكن أن يمثل خطوة باتجاه صناعة عقارية أكثر نضجًا واستدامة، خاصة إذا جاءت الصيغة النهائية للتشريع بعد حوار متوازن مع مختلف أطراف الصناعة، بما يحافظ على حقوق المتعاقدين، ويدعم الشركات الجادة، ويمنح الاستثمار العقاري إطارًا أكثر وضوحًا واستقرارًا خلال السنوات المقبلة.












